أبي منصور الماتريدي
161
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - وعلى جواز الاستئجار على كل عبادة مالية صدقة كأداء الزكاة ، وإخراج الكفارات ؛ لأن المقصود من هذه الأمور سد خلة الفقير ودفع حاجته ، وهذا كما يتحقق بفعل المستأجر يتحقق بفعل الأجير . واختلفوا فيما عدا ذلك من العبادات التي يتعدى نفعها للغير وتقبل النيابة كالأذان وتعليم القرآن والإمامة ، وغسل الميت وتجهيزه فمنع ذلك متقدمو الحنفية والإمام أحمد في رواية ، وأجازه المالكية والشافعية وأحمد في الرواية الأخرى إلا أن الشافعية لم يجوزوا الإجارة على الإمامة ؛ لأنها من متعلقات الصلاة ، ومتأخرو الحنفية لم يجوزوا الإجارة على قراءة القرآن لعدم الضرورة إليها ، بخلاف تعليمه ففي القرب التي يتعدى نفعها إلى غير فاعلها مذهبان على سبيل الإجمال : منع الإجارة عليها ، وجوازها . وهذه أدلة كلّ وما يدور حولها من مناقشات : أدلة المانعين : أولا : ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به » . قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات ا ه . وثانيا : ما رواه أحمد والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اقرءوا القرآن واسألوا الله به ، فإن من بعدكم قوما يقرءون القرآن يسألون به الناس » ا ه . قال الترمذي : هذا حديث حسن ليس إسناده بذاك . وثالثا : ما رواه ابن ماجة عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : علمت رجلا القرآن فأهدى لي قوسا ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال « إن أخذتها أخذت قوسا من نار » فرددتها ا ه . ورابعا : ما رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه عن عثمان ابن أبي العاص الثقفي أنه قال آخر ما عهد إلي رسول الله أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا . فهذه الأحاديث صريحة في منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الأذان ، ويقاس عليهما غيرهما من القرب التي يتعدى نفعها إلى غير فاعلها بجامع أن كلّا قربة لله تعالى . وخامسا : أن القربة إذا وقعت إنما تقع عن فاعلها ، فهو الذي ينتفع بثوابها ، ولا يحصل لغيره شيء من هذا الثواب . فأخذ الأجرة في مقابلتها لا يجوز لعدم المعارضة كمن يأخذ أجرة على حمل متاع نفسه ، أو خياطة ثوبه . وسادسا : أن أخذ الأجرة على القرب المذكورة سبب لتنفير الناس عنها ، وفي ذلك تضييع للشعائر الدينية ، أو استثقال لها ، فلا يجوز . وقد ناقش الجمهور هذه الأدلة بما يأتي : أما الحديث الأول فهو أخص من محل النزاع لأن المنع من التأكل بالقرآن لا يستلزم المنع من الاستئجار على تعليمه ؛ لأن الأكل به محمول على اتخاذه وسيلة للسؤال ، كما يصنع بعض أهل زماننا وإنما حرم ؛ لما فيه من الزراية بالقرآن ، والذي سوغ الحمل على هذا المعنى هو الجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم « إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله » كما سيأتي ذلك في أدلة المجوزين ، ويؤيده حديث عمران بن حصين المذكور بعده . وأما الحديث الثاني فليس فيه إلا تحريم السؤال بالقرآن ، وهذا غير اتخاذ الأجرة على تعليمه . وأما الحديث الثالث ، فقد قال البيهقي إنه منقطع يعني بين عطية الكلاعي وأبي بن كعب ، وكذلك قال المزي ، وتعقبه الحافظ بأن عطية ولد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم . وأعله -